يحلّل ماثيو بايج في هذا المقال كيف تعاملت نيجيريا ببراجماتية عالية مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف البلاد، لتعيد توجيه الأزمة لصالحها سياسيًا وأمنيًا. ففي يوم عيد الميلاد 2025، أعلن ترامب أنه أوفى بوعيده وضرب نيجيريا، مبررًا ذلك بادعاءات عن “مذابح جماعية” بحق المسيحيين على يد جماعات إسلامية.
لكن الحكومة النيجيرية رفضت هذا التوصيف التبسيطي، مؤكدة أن العنف يستهدف كل من يرفض أيديولوجيا الجماعات المسلحة، مسلمين ومسيحيين وغير متدينين على السواء، وأن جذور الأزمة أعمق وتشمل سوء الحوكمة، ونزاعات الموارد، وفشل الشرطة، والتوترات الإثنية.
وتوضح تشاتام هآوس أن الضربة الأميركية بدت رمزية أكثر منها استراتيجية. استندت واشنطن إلى معلومات قدمتها أبوجا، وأطلقت صواريخ كروز على مواقع في شمال البلاد، لكنها لم تقدم تفاصيل مقنعة عن الأهداف أو الخسائر. وتشير تحليلات ميدانية إلى أن القصف ربما استهدف مجموعة “لاكوراوا” الصغيرة، المعروفة بابتزاز السكان المحليين، لا تنظيم “داعش في الساحل” كما ادّعت الإدارة الأميركية.
أزمة أمنية معقّدة وسردية مبسّطة
تعاني نيجيريا منذ سنوات من اضطرابات أمنية في الشمال، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة. غير أن اختزال المشهد في صراع ديني يخدم سرديات سياسية خارجية أكثر مما يفسّر الواقع. يتجاهل هذا الاختزال عوامل بنيوية تغذّي العنف، من فقر وتهميش وفشل مؤسسي، إلى اقتصاديات النزاع والفساد داخل القطاع الأمني. لذلك رأت أبوجا أن مجابهة ترامب علنًا على السردية قد تصعّد أزمة دبلوماسية بلا مكاسب.
بدل ذلك، اختارت الحكومة نهج “إدارة التهديد”: اعترفت بقلق واشنطن، وشاركت في تحديد نطاق الضربة، فقلّصت آثارها الداخلية، وحوّلتها إلى فرصة لطلب دعم إضافي. بهذا الأسلوب، جنّبت نفسها الوقوع في فخ تصويرها “شريرًا” في خطاب قومية مسيحية أميركية، وخرجت بمكاسب عملية.
“انعدام أمن مُدار” ومكاسب النخب
يرى بايج أن الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لنهج راسخ لدى النخب النيجيرية في توظيف الأزمات الإنسانية والأمنية سياسيًا وماليًا. على مدى عقدين، أضعفت الاضطرابات مراكز القوة البديلة—من أحزاب معارضة ونقابات وإعلام مستقل—وسمحت بتوسيع إنفاق عسكري معتم بلا مساءلة. وتُستخدم “مخصّصات أمنية” فضفاضة على مستوى الولايات كصناديق سوداء، يُعاد توجيهها إلى نشاط سياسي أو يُساء استخدامها. بين 2023 و2025، تشير تقارير إلى توجيه مئات المليارات من النايرا إلى هذه القنوات.
في هذا السياق، فضّلت أبوجا احتواء تهديد ترامب بدل الاشتباك معه، فأطفأت أزمة دولية محتملة، وأعادت العلاقة الثنائية إلى نمط مألوف: تراجع واشنطن عن ضغوط الديمقراطية وحقوق الإنسان مقابل توسيع التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، كما حدث بعد حملة #أعيدوا_فتياتنا عام 2014.
إدارة ترامب: تهدئة أم استثمار؟
تُظهر التجربة كيف يمكن لقادة في إفريقيا وغيرها استرضاء ترامب أو حتى استثمار اندفاعه. خلال ثلاثة أشهر فقط من تهديده بإرسال قوات برية، قلبت نيجيريا المعادلة وبنت تقاربًا جديدًا مع واشنطن. أوضح متحدث الرئاسة دانيال بوالا أن أبوجا تعاملت مع التهديد “بحسن نية”، واشتغلت على “سيكولوجية” ترامب ورسائل موجهة لقاعدته، لتفنيد ادعاء استهداف المسيحيين تحديدًا.
وعززت الحكومة نفوذها في واشنطن عبر تعاقد مع شركة ضغط أميركية، واستضافة وفد رفيع أعلن زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية وتسليم عتاد عسكري إضافي. غير أن المقال يحذّر من محدودية هذه المكاسب: فهي لا تعالج عللًا مزمنة مثل الفساد وسوء الإدارة ونقص الاستثمار في إصلاح القطاع الأمني.
تُظهر حالة نيجيريا أن الدهاء السياسي قد يحوّل تهديدًا خارجيًا إلى ورقة تفاوض. لكن استمرار “إدارة” الانعدام الأمني كسلعة سياسية يرسّخ جذور الأزمة بدل اقتلاعها. قد تمنح “انتصارات صغيرة” لترامب مكاسب تكتيكية، إلا أن الاستقرار الدائم يتطلب إصلاحات داخلية عميقة تتجاوز صفقات السلاح والدعم الاستخباراتي، وتعيد بناء الثقة والمؤسسات التي طالها التآكل.
https://www.chathamhouse.org/2026/01/how-nigeria-flipped-script-trump

